Untitled Document

السودانيون في مصر .. رحلة الجنون والضياع #3 السودانيون في مصر .. رحلة الجنون والضياع

عرض المادة

ملخَّص الحلقة الأولى :
في تلك الحلقة تعرضنا لشيكا وكومبارس وكيف انتهى بهما المقام إلى الضياع في القاهرة ، إلا أنهما يريدان العودة إلى السودان، ولكن ضعف الحيلة وقصر اليد وقفا مانعاً دون ذلك.


ملخَّص الحلقة الثانية :
فيها استعرضنا حالة خالد وإيمان وطلبهما المستميت للجوء السياسي والإنساني سعياً وراء الهجرة إلى بلاد أوربا والعم سام، أما اليوم فنستعرض حكاية عكسية لأيمن من أوربا إلى القاهرة ، يريد العودة للسودان ، عليه نفس أعراض بهنس الذي نكشف عن مقابلاتنا له ، وأخيراً نعرَّج إلى النصابين والبلطجية ثم ماذا قالت سفارتنا هناك؟.
""""""""""""""""""""""
قال لي أيمن: هل تعلم أين كنت أسكن في هولندا ؟ لقد كنت قريباً من بيت الفنان الهولندي رمبرانت الذي ولد عام 1606 ويعد من معالم هولندا التاريخية، سألته وأين تسكن الآن، قال: بجوار جامع الكيخيا تارة وتارة أخرى ..


مسرعاً أحث الخطى ، كنت أشق الشارع الممتد بين شارعي كبري قصر النيل وثروت أباظة في طريقي لفندق ايزيس بشارع عبدالعزيز بوسط البلد في القاهرة حيث أقيم، الساعة كانت تقارب الثانية صباحاً، الارهاق كان سيد اللحظة، لم أتوقع أن تكون هناك سيدة أخرى لهذا اللحظة سوى تلك المفاجأة التى لم تخطر أبداً على بالي ، في زقاق ضيِّق برز لي رجل أبيض البشرة ، مفتول العضلات ، متوسط القامة أصلع الرأس وكان عارياً تماماً من ملابسه – يامولاي كما خلقتني – تسمرت قدماي في مكانهما وتوقف الزمن لديَّ لثواني معدودات لكنها مرت كأنها ساعات ، ظننت في بادئ الأمر أن هذا الرجل مصرياً ، قلت له على طريقة المصريين: ( عفواً يا باشا ) ، رد عليَّ بسودانية شوارعية خالصة : باشا يا (.....) قد يا زول ، أسرعت فارًا من المكان في طريقي إلى الفندق وأنا مذهول تماماً، سأكذب عليكم إن أخبرتكم أنني استطعت النوم ليلتها وأنا أفكر في هذا الرجل ، قررت أن أذهب صباحاً إلى ذات المكان خاصة وأنه يضج بالسودانيين صباحاً ، ربما أجده هناك، الفضول هو الدافع الكبير لمعرفة سر هذا الرجل .
الملك العريان
بمجرد أن أشرقت شمس القاهرة، توجهت نحو قهوة الموردة وهي المكان الذي ظهر لي فيه شبه شبح ( الملك العريان )، طلبت قهوة الصباح وتبادلت الحديث مع نجاة ست الشاي التى جاءت إلى مصر منذ ثلاث سنوات _ هي أيضاً لديها بطاقة صفراء من الأمم المتحدة - لجوء إنساني – أخبرتها عن الموقف الذي حصل لي البارحة فضحكت وقالت: هذا أيمن ألا تعرفه؟ فقلت لها: لم يحصل لي الشرف قالت : أيمن هذا خرج من السودان منذ 15 عاماً تقريباً لم يخرج كما فعلنا نحن إلى مصر ومنها كما نريد ونحلم إلى بلاد العم سام أو أوربا، أيمن خرج مباشرة إلى أوربا وأعتقد إلى هولندا، ما أعرفه عنه أنه جاء العام المنصرم إلى هنا وكان طبيعياً جداً لكن يبدو أنه أصيب بالجنون، سألتها : وأين أهله ؟. قالت : لديه خالة هنا تأتيه كل مرة وتعطيه مبلغاً من المال كما يقولون قلت لها : هل رأيتيها؟
ردت لا . سألتها: أين أجد أيمن هذا ؟ قالت: في هذا الوقت ستجده في مطعم الخرطوم : تحت فندق الاوبرا بجوار جامع الكيخيا : ذهبت إلى هناك مسرعاً ودخلت إلى المطعم فوجدته جالساً وهو يلبس فانيلة ممزقة الظهر والبطن وبنطال جينز قد تهتك عند الركبتين كان برفقته رجل أنيق يبدو من مظهره أنه شخصية مهمة، جلست إلى الطاوله التى بجوارهم ، أيمن هذا غريب جداً، ففي تلك اللحظة التى جلست فيها سمعت أيمن يتحدث بلغة إنجليزية خالصة مع رفيقه، لغة لا فيها شق ولا بتسمع لها طق ، وجاره يتجاذب معه أطراف الحديث ، بعد أن أكملت فطوري نهضت إليه وجلست إلى جواره بعد انصراف رفيقه، وقلت له: رأيك شنو يا أيمن نمشي نشرب لينا شاي (كارب) نظر إليَّ وقال: جدًا يافردة، لم يسألني من أنت ومن أين تعرفني وماذا تريد؟.
بل على العكس تماماً انسحب معي بهدوء من المطعم وذهبنا إلى القهوة ، أخرج سجائره من كيس كان يحمله في يده، علمت فيما بعد أنها شنطته التى يأخذها معه أينما كان ، تبادلنا على رشفات الشاي أطراف الحديث. أيمن من أبناء أم درمان خرج منذ التسعينات إلى فرنسا ومنها إلى برلين( المانيا) استغل القطار ليوصله إلى أمستردام بهولندا، هناك طاب له المقام وظل في هولندا لقرابة الثمان سنوات يعمل ويجتهد حتى تزوَّج بريفية من هولندا بالغة الجمال، مشكلة أيمن الوحيدة كما يقول عن نفسه أنه صاحب " أخلاق ضيَّقة " بعد أن قارب على أخذ الجواز الهولندي دخل في معركة مع مجموعة من الشباب الهولنديين، أمسكت به الشرطة الهولندية وطلبت منه مغادرة البلاد فوراً، من هناك كان على أول طائرة هبطت به إلى قاهرة المعز لم يشفع له زواجه من هولندية، ولا عمله الدؤوب هناك، جاء إلى القاهرة تاركاً وراءه أمستردام.
أخذ أيمن نفساً طويلاً من سجارته وقال لي: هل تعلم أن الهولنديين شعب صغير لكنه بالغ الحيوية والذكاء..أنا احترم هذا الشعب جداً ولذلك أعذر هؤلاء الذين يريدون الهجرة إلى أوربا ، الشعب الهولندي حارب الطبيعة فجفف مساحات شاسعة من البحر واستصلحها وأقام فوقها المدن والقرى ، وجعل من بلاده الصغيرة مزرعة، وأضاف أيمن: أول ما لاحظته على الإنسان في هولندا هو أنه ابن أرضه التي يعتبرونها مزرعة أوروبا، 

الأوروبية كلها.
قال لي أيمن: هل تعلم أين كنت أسكن في هولندا؟
لقد كنت أسكن قريباً من بيت الفنان الهولندي رمبرانت الذي ولد عام 1606 ويعد من معالم هولندا التأريخية ، سألته وأين تسكن الآن؟ ، قال: بجوار جامع الكيخيا تارة وتارة أخرى .. فجأة صمت أيمن وبدأ يكلم الهواء ويضحك بهستيرية حتى أدمعت عيناه . بعد أن سكت قلت له: يا أيمن هل تريد أن تموت كما مات بهنس؟ قال لي: وهل تعرف بهنس؟ قلت: نعم ، بدأ أيمن مهتماً وقال لي: وكيف تعرفه؟
بهنس مريضاً
أخبرت أيمن قائلاً : ذات صباح كنت بانتظار أحد الأصدقاء تحت تمثال إبراهيم باشا اقترب نحوي شاب يصفف شعره ( بوب ) متسخ الملابس وجهه مرهق، عيناه ذابلتان ، وعندما لاحظت أنه يرمقني سألته هل شبهت عليَّ أحد؟ قال: لا، ولكن أريد 2 جنيه لأشرب قهوة .. أخذته من يده وذهبت معه إلى القهوة شربناها معاً، قلت لأيمن: لم أكن أعرف بهنس مطلقاً .. عندما جلست إليه سألته ماذا تعمل فقال : أنا فنان تشكيلي ، كان بهنس يضع أصبعه في فمه ثم يهبط به إلى الأرض ليلامس التراب وبعد ذلك ينهض واقفاً .. كان يكرر هذا الأمر عدة مرات حتى أطلب منه الجلوس، قال لي بهنس إنه مريض وأخرج ملفاً كان يتأبطه وناولني مجموعة من التقارير ، ما لفت انتباهي تقرير ذكر فيه الاختصاصي النفسي أن بهنس مصاب باكتئاب نفسي حاد – أخبرت أيمن بذلك الأمر، ليشكي أنه أيضاً مصاباً بالاكتئاب أيضاً – هنا لاحظت أن أيمن بدأ مندمجاً فواصلت حديثي: نصح بعض السودانيين بهنس بالذهاب إلى المفوضية السامية لشئون اللاجئين ففعل ذلك فطلبت منه المفوضية الذهاب إلى قسم الشرطة لتحرير محضر فقدان لأوراقه ، لكنه لم يعد لأنه لا يملك قيمة المواصلات إلى مدينة 6 أكتوبر حيث المفوضية ، لم أطل الحديث مع بهنس فطرنا سوياً وأعطيته الجنيهين ، لأنني بصراحة كنت مفلساً ولو كان معي أكثر من ذلك لأعطيته، لاحقاً علمت من الناس أن هذا بهنس، حتى سمعت بنبأ رحيله المأساوي.. هنا توجهت إلى أيمن وأعدت له السؤال مرة أخرى ، هل تريد أن تموت كما مات بهنس يا أيمن؟ ، قال لا، أريد أن أعود إلى السودان ، ثم تركني وانصرف.
عصابات وبلطجية
في اللحظة التى تركني فيها أيمن دخل إلى القهوة شاب أعرفه جيدًا يدعى عوض أحد سكان الفتح 2 بأم درمان ، كان أنفه يختبئ وراء الكثير من الضمادات ، ما الذي حل بك يا عوض ؟ رد عليَّ بالأمس كنت أجلس أشرب الشيشة على أحد القهاوي جلس إلى جواري شاب حسن الهندام ، سألني عن مصر فأخبرته أنني جئت إليها قبل شهرين وأعمل بالعاشر من رمضان بأحد المصانع لكنني في طريق عودتي إلى السودان إذ لم يكن الوضع جيداً، يقول عوض: استضفت الشاب ولم يُعرِّفني حتى على اسمه وأنا الغبي بطيبة، بل بسذاجة أعطيته كل شئ عني، وعندما جاءت لحظة الوداع حيث أقيم بفندق أبو الهول قال لي إنه سيوصلني وفي طريقنا كان يهمس في الهاتف، وفي أول منعرج قابلنا خرج لي ثلاثة رجال أشداء غلاظ ، لحظتها باغتني ذات الشخص الذي يجلس بجواره بـ( بنية ) في أنفي حتى سالت دمائي، وأخرج لي أحدهم مطوة وقال: أخرج كل مافي جيبك وإلا لن ترى أهلك أبداً، أقسمت لهم أنني لا أملك سوى هذه الثلاثين جنيهاً وهاتفي، استولوا عليه ثم هربوا إلى أين؟ لا أعرف ومن أين أتوا؟ لا أعرف، فأنا لا أعرف القاهرة جيداً .
السفارة السودانية
نقلت هذا الحديث، وحديث نصب تم لي أنا شخصياً حيث كنت أبحث عن شقة، فركبت مع مجموعة من السودانيين أخذوني إلى مدينة نصر وهناك أروني شقة مفروشة وأخذوا مني ايجار 600 جنيه لسبعة أيام، على أن آتي في اليوم التالي لاستلام الشقة ، لكن عندما ذهبت أخبرني - البواب – ويبدو أنه متفق معهم أن الشقة مأجرة أصلاً.
نقلت هذا الحديث إلى الأستاذ خالد الشيخ القنصل العام لجمهورية السودان بمصر، فقال: هذا ما نعاني منه هنا في مصر . إن السودانيين الذين يقومون بهذه الأفعال يسيئون للشعب السوداني، وذكر لي القنصل حكايتان الأولى أن امرأة سودانية نصبت على أحد المصريين في مبلغ 45 ألف جنيه وتركت أطفالها الثلاثة وراءها، فاحتجزهم المصري وأبلغنا هنا في السفارة فأخبرناه أنه لا يملك الحق في احتجاز الأطفال وهددناه بأننا سنبلغ عنه إن لم يسلمنا إياهم لكننا في المقابل وعدناه أننا سنتابع موضوعه .. ثم نهض القنصل وأخرج لي شنطة ملابس وقال: هل تصدق أن الأم تركت أطفالها الثلاثة وهذه شنطتهم، ثم أضاف: بالأمس فقط أتيت من زيارة لسوداني تكسرت أضلاعه وهو في العناية المركَّزة، حكاية هذا السوداني أنا عمه.
في السودان نصحوه بالذهاب إلى أصدقائه فلان وعلان، استقبلوه في مطار القاهرة، حيث أتى سائحاً ولديه مبلغ مقدَّر من المال ، وطوال الفترة التى قضاها معهم كان ( شديد ) على أمواله ، وعندما يئسوا منه قاموا في ليلة سوداء بتناول الخمر وحاولوا سلبه أمواله إلا أنه هرب إلى البلكونة وأغلقها حوله وظل يستنجد بالمارة فكسروا باب البلكونة والقوا به من الطابق الثالث إلا أن عناية الله شاءت أن لا يلقى حتفه.
وأضاف القنصل : مشكلة السودانيين هذه عويصة جدًا ولقد تبرع لنا الأستاذ علي عثمان محمد طه عندما كان نائباً أول للرئيس بمليون دولار للسفارة فكرنا كيف ننفقها ، لو أعطينا كل سوداني هنا دولاراً واحد فلن ينفع، إذ أن عدد السودانيين هنا أكثر من خمسة ملايين، اهتدى فكرنا أن ننشئ بيتاً للسودانيين، وفعلنا ذلك وهو بالسيدة زينب، به صالات كمبيوتر واجتماعات واستراحات، ومن هنا أنا أنصح السودانيين الذين يأتون إلى مصر بالتوجه إلى هذا المنزل، هناك سنطمئن عليهم على أقل تقدير.
لكني أقول لكم بصدق: أنا لا أستطيع أن أضمن عدم حدوث حالات النصب، فمصر تمتلئ بالسودانيين الذين أصبح لا شغل لهم ولا مشغلة سوى النصب والاحتيال والبلطجة.
أين أهلهم؟
الأستاذ محمد جبارة الملحق الإعلامي لسفارتنا بالقاهرة، قال لي : أنا أتعاطف مع عبدالرحمن كومبارس ولكن شيكا هذا لا أتعاطف معه خذني إلى كومبارس وأنا على استعداد أن أسفِّره، أخبرته بمكانه وأين يجلس وأين يقيم، أخبرته بأيمن وغيره وأن هؤلاء ربما يموتون كما مات بهنس، فقال : السفارة ليست مسؤولة عن كل هؤلاء، أين أهلهم أليس لديهم أهل؟. هنا صمت كثيرًا ثم انسحبت وقررت العودة إلى السودان فورًا ..بأوجاعه ومحنه وإحنه، وكما قالت والدة كومبارس: نار السودان ولا جنة مصر.




   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 1 = أدخل الكود