Untitled Document

ساعة مع الشاعر الدكتور فضيلي جماع بنيروبي (1-3) :

عرض المادة



الوطن حالة تتلبسني لا استطيع الفكاك منها

التقته: فاطمة غزالي
الشاعر فضيلي جماع الشاعر السوداني .. الرجل الكردفاني من منطقة (اللو) شمال شرق أبيي مسقط رأسه، درس بخور طقت الثانوية وتخرَّج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، ثم درس اللغة الروسية وحصل على درجة الماجستير في الترجمة، ومن ثم نال الدكتوراه، غادر السودان بعد عام من مجيء الإنقاذ، الوطن العربي كان وجهته في فترة الهجرة الأولى ومنه انطلق إلى العاصمة البريطانية لندن.. التقيته بالعاصمة الكينية نيروبي في مؤتمر (حوار المجموعات المهمة) الذي نظمته جامعة كولمبيا بنيروبي.. التقيت بفضيلي جماع الشاعر الإنسان المبدع المتواضع المكتنز بثلاثة الشعر والرواية والمسرح، كتب أروع القصائد (الجرح المُضيء، حلم الزمن الصعب، وقفة على فعل ماضي، للشوق أجنحة، دموع الكبرياء، النهر والغابة، حصار الحلم في كراسة طفلة، مملكة وملك وليتني كذلك)، وغيره من الشعر الجميل.. على هامش مؤتمر المهمشين في العاصمة الكينية نيروبي في أكتوبر من العام الماضي جلست للشاعر الإنسان لأستمع حكايته لشعره، فاختطفت بعض من وقته في حديث عن الهجرة والغربة والحنين إلى الوطن الذي تعبَّر عنه حالة البكاء في شعره.

كان الوطن وكنتِ معي

الشاعر فضيلي جماع له عدة دواوين منها (الغناء في زمن الخوف وشارع القبة) وديوان (ردي زبد البحر إلى البحر) وقصائده تصور حال الـ ٢٥ عاماً التي عاشها الشاعر وكتب أجمل القصائد منها قصيدة (كان الوطن وكنتِ معي ) التي كتبها في الطائرة ما بين سويسرا ولندن، وقصيدة (الورد ينبت في العليفون) و (كاودا).. استمعت لفضيلي هو يقول لي: الغربة سرقت مني عمري ووجداني وعلاقاتي الاجتماعية، ولذا ظل الوطن حالة تتلبسني لا أستطيع الفكاك منها، وأن الإحساس بالحنين الدفين إلى الأشياء موجود في كل الأعمار، ويواصل حديثه في الحنين إلى الوطن ويقول: يظل الشاعر متمسكاً بالرومانسية إلا أن الشيخوخة تكسو تلك الرومانسية بالعقلانية، وأن المرأة في قصائده حالة تمثل خارطة لشيء جميل يحمله في قلبه وهو الوطن. وقال لي فضيلي إنه مفتون بإبداع الروائي الكبير الراحل الطيب صالح الذي قدم أجمل وأرق إجابة حينما وصف حالة الكتابة وقال صالح: " الكتابة تعويض عن الإحساس بالفقد" .
فضيلي جماع أمامه مشروع رواية جديدة تدور أحداثها في أكثر من مسرح واستخدم فيها لغة البقارة لأول مرة، واعتبر أن هيمنة المركز آن لها أن تتقهقر، وقال : لا داعي لمركز صغير تديره نخبة تحاول تفرض نفسها على الآخر (مافيش طريقة أبداً ). التقيه في أكتوبر الماضي على هامش مؤتمر:

بلادي حالة حزن مستمر

في تساؤلات بشأن الحنين للوطن، وهل الغربة شكَّلت وجدان الشعر أم الشعر عبَّر عن غربته ؟.
يقول فضيلي: لكي أكون أميناً لم يبدأ الوطن معي في هذه الرحلة فقط، لأنني من جيل غير محظوظ في مسألة علاقة الوطن بالإنسان من حيث الاستقرار والعلاقة القائمة بأن نعطي الوطن ونأخذ مردود ونشعر بأن هناك وطن ..نعم أنا من جيل غير محظوظ ونجد أنفسنا حالة من عدم الاستقرار السياسي وانعكست عليه حالة اقتصادية سيئة ثم جاءت الطامة الكبرى بانفصال هذا الوطن.. والتهديد الحالي بالحروب الحالية العبثية التي يقوم بها نظام الإنقاذ في السودان ربما أجزاء من هذا الوطن تذهب وهذه المسألة ليست مستبعدة.. ولذلك أقول: بلادي وطني عندي حالة مستمرة من الحزن الذي لا أستطيع مفارقته أبداً، وعندما جاء هذا النظام انتظرت عاماً كاملاً وشعرت بأن هذا لا يكون، وقررت الهجرة، لأن البقاء في الوطن يعني أكون عرضة للتنكيل وأشياء كثيرة، منها الحرمان من العمل الشريف والرزق الكريم كما حرم الملايين من السودانيين.

فلسفة الشاعر فضيلي جماع في الهجرة بنيت على اعتبارات لأسرته الصغيرة وقال لي: عندما قررت الهجرة وضعت في أمامي سؤالاً واحداً " لماذا تدفع أسرتي ثمن مغامراتي وثمن تضحياتي؟ وإذا كان لابد من تضحية عليَّ أن أحمل معي وطني وأطفالي وأذهب إلى بلد يمكن أن يعطيني نوعاً من الاستقرار النفسي وأستطيع بقليل من المكابدة أن أجد لأولادي التعليم.. فحملت وطني في خارطة قلبي وعبَّرت عنه في العديد من قصائدي ومنها القصيدة التي كتبتها في الطائرة مابين سويسرا ولندن بعنوان (كان الوطن وكنتِ معي ) و قصيدة (الورد ينبت في العليفون) .. كتبت في كثير عن قصائد مأساة بلدي التي أتحدث الآن عنها.

الوطن حالة تتلبسني لا فكاك منها

تنهد فضيلي وقال بحزن : الوطن بالنسبة.. ماذا أقول؟ الوطن بالنسبة لي حالة تتلبسني لا أستطيع الفكاك منها، وهو تعريف بالهوية التي أحملها معي أينما ذهبت، فهو نعي في أماكن الغربة التي زرتها والتي استقر فيها الآن.. نعم بلاد الغربة فيها جمال الطبيعة ورفاهية الإنسان واحترام حقوقه ولا أشعر بالمضايقات، ولكن أشعر على طول الزمن أن هناك شيء مفقود في حياتي وهو الوطن.. لأن الوطن ليس قطعة أرض ولدنا فيها بالصدفة.. الوطن هو ارتباط الإنسان الوجداني بأرض رأيت فيها الشمس والقمر لأول مرة، أرض ممتلئة بكثير من الحكايات والعلائق الاجتماعية أي أشياء وجدانية تحكي قصة.. الوطن أرض جربت فيها العشق حد الوله والتصوف حد السمو فوق ملذات الدنيا.. الوطن ماعون انصهرت فيه تجاربي كإنسان تربطه بأهله رابطة الدم.. الوطن مشاعر وهموم حياتية مختلفة.. لذا تجدين انشغال نصوصي بالوطن في هذا الظرف الحرج من تأريخنا، واعتبر الكتابة عنه من باب الواجب والالتزام تجاه الأرض والإنسان، لأنني لم أغادر الوطن للنزهة، ولكن (مكره أخاك لا بطل )، وحينما خرجت لم أضع في ذهني أنني أبقى ٢٥ عاماً خارج الوطن، وهي أطول مدة في حياتي قضيتها بعيداً عن وطني.. زرت وطني مرتين بعد اتفاقية نيفاشا وعندما وصلت السودان وجدت أبناء إخواني وأخواتي صاروا رجالاً كبارا ونساءً، وبعض أصدقائي كانوا يعانقوني ويبكون لأنني افتقدتهم وافتقدوني، وصحيح الواحد فينا شاكر لوسائل الإعلام الحالية ووسائل التواصل الاجتماعي التي قربت المسافات، ولكن تظل عملية الكتابة لوطن، والوطن حالة تتلبسني لا أستطيع الفكاك منها إطلاقاً حتى لو رجعت، وأملي أن أرجع قريباً بعد زوال هذا النظام، وأتمنى أن يكون قريباً، لأنني لا أرى مستقبلاً لوجوده.





   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 4 = أدخل الكود