Untitled Document

مياه الأبيض.. أزمة السنين

عرض المادة



تحقيق: علي ميرغني


في ذاكرة السودان عدة ثنائيات في كل مجال، في الغناء وردي وإسماعيل حسن، وفي الكرة حمد والديبة، لكن في المدن شكلت مدينة الأبيض ومشكلة العطش أو شح مياه الشرب الثنائي أو التوأمان السياميان الذي فشلت كل الإدارات من لدن الحكم الإنجليزي وحتى اليوم في حل شفرته والخروج منه.
والغريب في الأمر أن من كل مدن ولاية شمال كردفان فقط مدينة الأبيض تعاني من شح مياه الشرب على الرغم من وجود مصادر مياه سطحية إلى الجنوب منها في منطقة (بنّو) وفي شمالها حوض بارا الجوفي وحقل مياه السدر، لكن تظل مدينة الأبيض حبيسة أزمة مياه تكاد تكون تحولت إلى متلازمة اعتاد سكان المدينة على التعايش معها.
في الأسبوع الماضي سافرت إلى ولاية شمال كردفان للوقوف على حقيقة الأمر والسماع إلى المواطنين والتنفيذيين عن مياه الأبيض. ذهبت إلى مصادر المياه الجنوبية في منطقة حفير (بنّو) ثم إلى حوض بارا في شمال المدينة، ولم أنسَ بالطبع محطة التصفية وإعادة الضخ الموجودة داخل مدينة الابيض.
ما هي المصادر الجنوبية؟
على أكثر من عشرة كيلومترات إلى جنوبي الأبيض يقع حفير (بنّو)، ويقول العارفون بالأمر إنه أخذ الاسم من معسكر أقامته شرطة السجون وهو تحريف لكلمة (بنوه) بمعنى شيّدوه. وهو حفير كان طبيعيا ثم تمت توسعته لتبلغ سعته أكثر من مليون متر مكعب بقليل. تستمر مياهه لأكثر من سبعة أشهر لكنها لا تصل إلى الخريف التالي. يتم ضخ المياه منه إلى محطة التنقية داخل مدينة الأبيض.
محطة التنقية والتعقيم
توجد هذه المحطة داخل مدينة الأبيض، منظرها وحجم الأشجار التي فيها تعطيك انطباعا قويا أنها من بقايا إنجازات الحكم الانجليزي. يدلل على ذلك حجم أحواض الترسيب التي هي عبارة عن أربع اسطوانات معدينة لا يزيد قطرها عن مترين وارتفاعها متران ونصف تقريباً. وهي سعات لا تحتاج لجهد لمعرفة أنها لا تكفي لتوفير مياه الشرب لسكان مدينة الأبيض الذين فاق عددهم المليون ،بحسب تصريح معتمد المحلية، شريف فاضل.
حوض بارا وحقل السدر
تقول بعض مصادر التأريخ إن الحاكم الانجليزي كان يشرب من مياه بارا التي يتم جلبها له خصيصاً، فهي غنية بالأملاح المعدنية وتعتبر من أنقى وأفضل المياه في السودان.
في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري تم تلكليف شركة يوغسلافية بالقيام بإجراء دراسة على حوض بارا ووصت بحفر 36 بئرا عمقياً قالت إنها تكفي لتوفير المياه للأبيض. وفعلا تم حفر 18 بئرا كمرحلة أولى. ثم حالياً قامت حكومة ولاية شمال كردفان بالاستعانة بخبراء وأكاديميين سودانيين لتجديد الدراسة وخلصت إلى رفع عدد الآبار الى 50 وفعلا تم حفر 18 بئرا جديدة وقبلها تم إعادة تأهيل ال18 بئرا القديمة. ولأن الحقل بعيد من محطة تجميع المياه في منطقة الدنكاج، تم إنشاء محطة تحكم عن بعد ،تراقب وتتحكم في تشغيل هذه الآبار.
شبكة المياه
وبالطبع تمثل شبكة المياه داخل المدينة أهم مكونات منشآت مياه الشرب. وحتى تكتمل الصورة جلست إلى مواطني الولاية لسماع وجهة نظرهم، وأيضا ذهبت الى معتمد محلية شيكان التي تقع فيها مدينة الابيض، شريف الفاضل، لأسمع منه وجهة النظر الرسمية.
تحسن منقوص وعمل ملموس
داخل السوق الكبير التقيت بسيدة خمسينية تعمل في بيع الخبز والكسرة، اسمها آمنة، سألتها عن موقف المياه في منزلها ، قالت إن المياه لم تصل إلى منزلها منذ شهور، وانها تشتري كل يوم خمسة براميل سعر الواحد سبعة جنيهات. بمعنى آخر أنها تدفع شهريا (1050) جنيه لتوفير المياه. سالتها إن كانت تدفع نصيبها في مشروع نفير شمال كردفان، اجابت وهي تبتسم إنها تدفع بصورة ثابتة، سألتها لماذا وهي لا تستمتع بالمياه، أجابت إنها تعلم ان مشكلة المياه عصية ولا يمكن حلها بين يوم وليلة، وهي تشاهد فعلاً بعض التقدم في مياه المدينة وتشاهد التجديد في الشبكة.
رأي المعتمد
عصر اليوم نفسعه ذهبت الى مكتب معتمد محلية شيكان، شريف الفاضل، سألته عن عدة ملفات كانت المياه أهمها. قال إنهم استعانوا بخبراء وأكاديميين في مجال المياه وطلبوا منهم تقديم دراسة لشبكة مياه المدينة بدون اعتبار للشبكة القديمة.
وبعد إكمال الدراسة خلصوا إلى حتمية ترك الشبكة القديمة وإنشاء الجديدة. وفعلا شرعنا في تنفيذ ذلك تدريجيا والآن أصبحت الشبكة القديمة خارج العمل نهائياً، وتعمل بدلا عنها الشبكة الجديدة التي غطت سبعين بالمائة من المدينة تقريباً.
الشركة الألمانية
في اليوم التالي ذهبت الى الوالي مولانا أحمد هارون وتحدثت معه عن ملف المياه، فقال إنهم استعانوا بشركة ألمانية وطلبوا منها إجراء دراسة شاملة لحل مشكلة مياه الأبيض مع فتح الاحتمالات على كل اتجاه، ويتوقع أن تكون النتيجة وصلت إلى الولاية. كما تعمل الولاية في حل إسعافي يقوم على توسعة المصادر الجنوبية بتوصيل حفير بنّو بحفائر أخرى في المنطقة لزيادة سعة التخزين، فضلا عن حفر 14 بئر جديدة في حقل المياه بحوض بارا.
الوضع حالياً
في معظم الأحياء القديمة تتوفر المياه بصورة يومية مع انقطاع لفترات طويلة. وفي بعض الأحياء الأخرى تأتي المياه بمعدل مرتين يومياً. وفي أحياء أخرى لا تأتي اطلاقا ويقوم المواطنون بشراء المياه من التناكر بأسعار تصل إلى سبعة جنيه للبرميل. مع ملاحظة ان هذه التناكر تأخذ المياه من آبار توجد بالقرب من حفير (بنّو)، طبعا بدون تنقية أو تعقيم.
وجهات نظر أخرى
الحديث في مدينة الابيض عن مشكلة المياه ليس كله إيجابياً. هناك أشخاص وجهات كثيرة لها وجهات نظر مختلفة وتعتقد ان التعاطي إلى الآن به كثير من الثقوب.
متقاعدو هيئة المياه
في سوق الأبيض التقيت بمهندس سابق بهيئة مياه الأبيض، أحيل للتقاعد. قال لي إن معظم الدراسات الحالية لحل مشكلة الأبيض هي دراسات قديمة اأجراها مهندسو المياه في أوقات سابقة، وقام الخبراء الذين استجلبتهم ولاية شمال كردفان بنفض الغبار عنها.
يقول هؤلاء إن هناك مصادر مياه عديدة يمكن أن تحل مشكلة مياه الابيض، مثل خور أبو حبل، خور أبو سديرة وحتى وادي الملك التي كلها تصب في النيل الأبيض أو النيل الرئيس.
يقول مهندس المياه المتقاعد إن الولاية استعانت بخبراء من خارج هيئة المياه وأصبح مهندسو وفنيو الهيئة مجرد عمال لدى هذه الشركات وأن هذا أوجد غبنا لدى منسوبي الهيئة. وكشف عن أن كثيرا من مهندسي وفنيي هيئة المياه بشمال كردفان حصلوا على إجازات طويلة بدون مرتب وانتقلوا للعمل في ولايات مجاورة مثل غرب كردفان التي استفادت كثيرا من خبرة هؤلاء.
عيوب في المعدات
مهندس المياه المتقاعد تحدث عن ان شبكة المياه الجديدة بمدينة الابيض بها مخالفات للمواصفات التي تم الاتفاق عليها، مثلا 28% من المواسير صناعة مصرية، بينما 78% صناعة سعودية بمواصفات امريكية وهي التي كانت متفقا عليها.
فشل طلمبات التعزيز
علمت أيضا أن هناك ثمانية طلمبات تعزيز تم استجلابها لزيادة ضخ المياه للأبيض لكن الطلمبات الثمانية تعرضت لأعطال كبيرة وخرجت عن العمل. ويقول فني صيانة طلمبات إن هذه الطلمبات بها عيوب تصنيع، حيث انها تعرضت لكسر في العمود الناقل للحركة وهو عيب لا يحدث في الطلمبات الاخرى ويكشف عن عيب في التصنيع، وهي مصرية الصنع.
رد الحكومة
طرحت هذا الاتهام إلى الوالي مولانا أحمد هارون الذي لم ينفِ تعرض هذه الطلمبات لأعطال كبيرة وخروجها عن العمل. لكنه تحدث عن ملابسات الاستعانة بهذه الطلمبات, قال إنهم استعانوا بخبراء في هندسة المياه الذين أكدوا ان العيب ليس في التصنيع بل في التركيب حيث إن الموتورات التي ربطت إلى هذه الطلمبات ذات قوة أكبر من تحمل الطلمبات، لذلك حدثت هذه الاعطال وانكسرت الأعمدة الناقلة للحركة.

سياسة إطفاء الحرائق
لكن يظل السؤال قائماً : لماذا أيضا هذا العيب؟ يجيب مولانا هارون إنهم كانوا في وضع حرج بين أن يتركوا المدينة تواجه العطش الشامل وبين الاستعانة بأي حل ولو كان مؤقتا.. وطبعا يمكن للانسان الصبر على الشح في معظم الخدمات إلا المياه. لذلك قامت حكومة الولاية بشراء المتوفر من الطلمبات في السوق المحلي. لكن في الوقت نفسه عقدت اتفاقا مع شركة ايطالية على توريد طلمبات صناعة إيطالية بمواصفات عالية. بل قبل التعاقد سافر وفد من المهدسين إلى إيطاليا لمعاينة الطلمبات والتأكد من الجودة. وشمل التعاقد ايضا تدريب المهندسين السودانيين على التركيب والصيانة. وبالنسبة للطلمبات المصرية تم الاستغناء عن الثمانية ، على أن تعمل طلمبات أخرى إلى حين وصول الطلمبات الإيطالية.
انهيار مياه الريف
المهندس المتقاعد تحدث لي عن أن مياه الريف في ولاية شمال كردفان تشهد دمارا شبه كامل ولا توجد صيانة ولا خطط اسعافية. وان التركيز فقط على مياه مدينة الأبيض.
لكن حكومة الولاية تعتقد ان مجتمعات كل مدينة ومنطقة في الولاية حددت ثلاثة مشاريع يتم انشاؤها ضمن المشروعات السريعة، وأي منطقة اختارت مشاريع المياه ضمن هذه المشاريع فسيتم تنفيذها.
جولة ميدانية
قمت فعلا بجولة في بعض مدن الولاية القريبة من الابيض. أولا ذهبت إلى مدينة بارا شمال الابيض، لكن الملاحظ ان المدينة لا تشكو من مياه الشرب، ربما لأنها اصلا تقع داخل الحوض المسمى باسمها، وهي منطقة مشهورة بجودة المياه الجوفية ووفرتها.
أيضا ذهبت إلى مدينة الرهد، التي تتمتع بمصدر دائم للمياه وهي (التردة) وتعني البحيرة، وهي مسطح مائي دائم يقول التأريخ إنه عبارة عن منخفض طبيعي كانت تتجمع فيه مياه السيول والخيران ويذهب الفائض بعيداً. وفي سنة 1962 اقترح احد المديرين التنفيذيين إنشاء سد في نهاية المنخفض ليحجز مياه كل الخيران ، وبالفعل تم إنجازه ومنذ ذلك الحين أصبحت التردة مياه دائمة لا تنقطع بل أصلا تمتد إلى نهاية الأفق. مواطنو الرهد شكوا فقط من ارتفاع العيكورة في موسم الأمطار، لكنهم أشاروا إلى تحسن الوضع حالياً وانخفاض نسبة العيكورة بمعدلات كبيرة. عموما هم راضون عن وضع المياه حالياً ويتطلعون للأفضل.

بوادر أزمة قادمة
صورة ملف المياه في الابيض لم تكتمل بعد. والعاقل من تحسب لمقبل الأيام وعمل على مستوى استراتيجي وتحسب للعقبات قبل حدوثها.
أقول هذا الحديث ، وفي بالي التوسع الكبير في المدينة والمخططات السكنية والصناعية التي علمت أن حكومة الابيض شرعت فعلا في تنفيذها وأن المخططات ربما تصل حتى جبل كردفان على المدخل الجنوبي للمدينة. وإذا صدق هذا الحديث فالوضع سيختلف كثيراً. لماذا؟
المعروف أن القطاع الصناعي يستهلك مياها أكثر بكثير عن القطاع السكني المعتاد، واذا تم بالفعل إنشاء منطقة صناعية داخل مدينة الابيض الكبرى فسيكون حكومة الابيض كساقية جحا تماما، تضع حلا لأزمة المياه، ثم قبل إكمال الحل تقوم بإضافة بعد آخر للأزمة. إضافة 14 بئرا بحقل السدرة قد يحل الفجوة على مستواها الحالي، لكنه قطعا لن يكون كافيا لسدها في حال إكمال القطاع الصناعي. وأيضا هناك السؤال الأهم، هل تعلم الشركة الألمانية بحجم الطلب على المياه في حال إكمال المدينة الصناعية؟ والاجابة على السؤال تحدد إلى أي مسار يتجه ملف مشكلة مياه الشرب في الأبيض.
لماذا الإصرار على الأبيض
أثناء حواري مع أحد مهندسي المياه المتقاعدين بالأبيض، لاحظت أن أحدهم ظل يستمع ولا يشارك في الحوار. وبعد ان انصرفت لحق بي بعيدا عن القوم وقال إنه له وجهة نظر يريد ان تصل الى الجهات الرسمية المختصة بحكومة الولاية.
اخترت مكانا جلسنا فيه. بدأ المهندس حديثه بسؤال يبدو غريبا للوهلة الأولى. يقول لماذا الإصرار على مدينة الأبيض؟ وقبل أن يجيب استمر في حديثه: مدينة الابيض من حيث خطوط الكنتور تعتبر أعلى من بارا وأيضا الرهد وحتى حفير بنّو. وإذا كان الواقع يقول إنها المدينة وانها العاصمة فهذا مقبول ولا يمكن تغييره، لكن لماذا الاصرار على ان تتمدد الابيض بدلا عن نقل المناطق الصناعية إلى مدن اخرى تمتاز بقرب مصادر المياه وعدم الحاجة لضخها لمسافات طويلة وعكس اتجاه خطوط الكنتور، مثلا لماذا لا تكون في مدينة الرهد مثلا، وهي قريبة من التردة وايضا على بعد عشرين دقيقة من الأبيض. وقال ان حكومة ولاية شمال كردفان تتحجج بأن نصف سكان الولاية يعيشون بمدينة الأبيض، فلماذا تريد زيادة هذه النسبة؟ لماذا لا تعمل على توسيع السكان على المناطق حتى يسهل توفير الخدمات الاساسية كلها بأقل تكلفة؟
اين ذهبت دولارات اليونسيف وجايكا؟
سؤال ليس تجريميا ولكنه لكشف سوء الإدارة. مجالس مدينة الأبيض تتحدث عن سوء تصرف بعض التنفيذيين قبل بضع سنين في أموال رصدتها منظمة اليونسيف لتنمية قطاع المياه بالأبيض عبر ورشات تدريب ورفع مستويات منسوبي هيئة مياه الابيض لجهة أن المياه جزء من الصحة، لكن ،وبحسب محدثي ،قامت جهات تنفيذية بتحويل أموال الورشة إلى بنود اخرى مما أغضب منظمة اليونسيف واستردت المبلغ وحولته إلى الصحة حصرياً. أيضا تصرف مشابه حدث لتمويل قدمته منظمة (جايكا) منظمة المساعدات اليابانية الذي انهار تماما بسوء الادارة وتتحدث مجالس الأبيض عن السيارات القديمة التي طليت بالبوية لتبدو كالجديدة.
خمسة أيام قضيتها في مدينة الابيض وبعض مدن ولاية شمال كردفان الاخرى، خلصت منها إلى أن مجهودات حكومة الولاية الحالية تحدث تقدما ملحوظا ومدروسا في ملف المياه، وقد يتم فصل التوأمة بين الأبيض ومشكلة مياه الشرب. لكن قطعا هناك ثقوب هنا وهناك يجب التعاطي معها مهما صغرت. وسيدنا علي بن ابي طالب يقول نصف رأيك عند اخيك. وربما الافضل الاستماع لكل مهندسي وفنيي المياه حتى المتقاعدين منهم. كما يبدو منطقيا التفكير فيما اقترحه احد المهندسيين بوقف التوسع في مدينة الأبيض ونقل الامتدادات الصناعية إلى مدن اخرى لا توجد بها أزمة مياه، الرهد مثلاً. .







   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
27-04-2016

(غير مسجل)

[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة