Untitled Document

قرية الزريقة.. للمأساة عنوان..!

عرض المادة


وصلت، بعد معاناة ومشقة لقرية (الزريقة)، بكل ما تحتوي كلمة مشقة من معاني، فلا طريق معبد أو حتى ردمية خرصانية ولا حتى معالم عمرانية ترشدك على القرية، ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها الأهالي فهم متمسكون بالبقاء والعيش بها، ولكن كم شهر ستصمد الزريقة قبل أن يهجرها أهلها الكرماء؟!


تحقيق: منى فاروق


بعد ساعة من السير في مرتفعات الكثبان الرملية وسط الأشجار الشوكية وصلت لقرية (الزريقة) التي تتبع لمحلية السلام الراوات بكوستي، ولكن لم يكن وصولا عاديا.. لاحظت تحول الرمال التي رأيتها في الطريق على رؤوس وأكتاف وملابس الركاب في ذات المركبة التي استقللتها ودهشت للمنظر، ولكن هذا شيء طبيعي إذ تعتبر عربة نصف النقل (بوكس) المكشوفة وسيلة المواصلات الوحيدة للوصول لقرية الزريقة، وأنا كذلك لقد غطت الرمال جسدي، فإذا كان هذا البوكس يحمل مريضا فمن المؤكد أنه سيصاب بأمراض أخرى غير التي يعاني منها، وعليك أيها القارئ أن تتخيل معاناه الأهالي في هذه المناطق علما بأنهم منتجون للحوم والألبان وعدد من المحاصيل الزراعية.
بعد وصولي لقرية الزريقة ويرافقني في هذه الزيارة الشاب محمد، من أبناء كوستي، مازال تعب السفر، فمنظر المنازل المشيدة من الطوب اللبن (الطين الأخضر) أو (الجالوص) والرواكيب القش ونار (التقابة) التي تشعل في الخلوة لحفظ القرآن تدخل السرور والبهجة للقلب، أما المناظر الطبيعية من حركة الأبقار في المرعى والدواجن تتجول معها وسط الأشجار الكثيفة فتريح النفس، ولكن سريعا ما قطع الشاب محمد عبد الله من أبناء الزريقة هذه المشاهد التي افتقدتها بحديثه على ما يؤلم قلبه، وقال وهو يدعو ربه أن يتحسن وضع القرية وأن يلتفت الوالي لمأساة السكان ويعمل على معالجة مشاكلهم (لأسباب أمنية تم إغلاق مدرسة الزريقة الأساسية التي كان يتعلم فيها أبناء القرية والقرى المجاورة التي تتجاوز الخمس) وواصل حديثه قائلا: تم التصديق للقرية منذ العام 2004 وبنينا أول فصل بالمجهود الذاتي وحتى يصبح الفصل في أحسن حال تم جمع اشتراكات من السكان.. كل فرد 10 جنيهات.. حتى وصلت المدرسة للصف السابع ولم تساهم الولاية أو المحلية إلا بتوفير الكنب للإجلاس وساهم أبناء المنطقة في بناء بيت المعلمين، وذلك بفصل مبنى للمعلمات، وآخر للمعلمين مفصول بكل احتياجاته.
وماذا حدث؟
كل ما ذكره الشاب محمد عبد الله أصبح حطاما لا يصلح إلا لإيواء الزواحف باعتباره لا يصلح حتى (زريبة) للحيوانات الأليفة فهو آيل للسقوط على ظهره، وتم سرقة السقف (العرش) ولا توجد إلا بعض العيدان المتناثرة هنا وهناك، بعد أن تجولت في المدرسة شد انتباهي نظرات الصبية الذين كانوا يأتون للمدرسة ويتلقون التعليم، تحكي عن أيام الدراسة طابور الصباح وهيبة المعلم داخل الفصل وهو يحمل الطباشير ويشرح من الكتاب وشوقهم للحقيبة المدرسية والكراسات والأقلام بداخلها. كل هذه التفاصيل ضاعت على الصبية وحرموا من التعليم بقرار وصفه محمد عبد الله بالجائر، وقال لأسباب أمنية اندلعت شرارتها بين قبيلتين في العام 2012 تم إيقاف المدرسة، ولمدة شهر للحفاظ على أرواح الطلاب ولكن بعد انتهاء المدة المقررة تم تمديدها لـ(3) شهور، رغم انتهاء الأزمة طالبنا المحلية مرارا وتكرارا ولكن من دون جدوى حتى انتهاء العام الدراسي، فلماذا يتم إغلاق المدرسة ويضيع العام الدراسي؟ ما ذنب هؤلاء التلاميذ في قضية ليس لها علاقة لا من قريب أو بعيد؟ بالإضافة إلى أن أصحاب القضية المتنازعين انتهى خلافهما، واليوم تسير حياتهم طبيعية فمن المسؤول عن ضياع هذه السنوات؟
حلم التلاميذ
وقال رئيس مجلس الآباء فضل الله دفع الله 2013 طالبنا بفتح المدرسة ولكن لم نجد استجابة من مكتب التعليم رغم التصديق بمزاولة العمل وبدأ العام الدراسي ونحن في ذهاب وإياب للحصول على أمر تصديق من مكتب التعليم حتى اليوم وضاع حلم التلاميذ عاما بعد عام، وأضاف: إذا تم التصديق للمدرسة فقد تحولت لحطام وتتطلب مجهودا لبنائها فمن لها ومن لإنقاذ فلذات أكبادنا أبناء المستقبل؟.
فاتوا القطار
أثناء استماعي لإفادات رئيس مجلس آباء المدرسة لاحظنا أحد الأطفال يحمل في يده العديد من الأدوات يلهو بها أشار إليه وقال: هذا الطفل أصبح فاقدا تربويا، وقطار التعليم فاته..!!
قلت في نفسي: فما ذنبه؟ اقتربت من الطفل وسألته اسمك مين يا شاطر؟ فقال: (أنا إسماعيل بشير بس أنا ما بقرا) فأجابني رئيس مجلس الآباء أن الطفل رفض كلمة شاطر لأنه لا يقرأ، وواصل قائلا أكبر مشكلة في كيفية تعويض الأعوام الدراسية التي ضاعت حتى لا يفوت القطار التلاميذ. وقال: العام الماضي أول محلية السلامة من قرية الزريقة واقرب مدرسة تبعد (54) دقيقة بالمواصلات ولكن لعدم وجودها يأتي الطالب سيرا على الأقدام لذلك معظم الطلاب تركوا التعليم وأثناء حديثه عن الطلاب المتفوقين ورغبتهم في التعليم التف حولي عدد من الطلاب كانت كلماتهم واحد (عايزين نقرا ونتعلم) من بينهم الطالب ياسر أحمد ويونس العشا الصف السابع ويوسف عبد الله الصف الخامس والشيخ منصور الصف الثالث والذي يمني نفسه هل سيضرب الجرس وتفتح المدرسة أأبوابها ويدرس الطلاب في فصولها أم ستطوى صفحة مدرسة زريقة وننسى أن التعليم حق للجميع، إذا كانت المدرسة أغلقت لأسباب أمنية والتي تم معالجتها منذ العام 2012 إذاً فالسبب قد ازيل فلماذا كل هذا الظلم؟
حفير الزريقة
تحركت صوب السد المائي الذي انشئ من قبل هيئة السدود ليساهم في توفير مياه الشرب وجدته مرتفعا كثيرا ولكن يعد مشقة وصلت لأعلى قمة ورأيت كمية قليلة من المياه وأجابني محمد عبد الله تم حفره قبل ثلاث سنوات.
تم حفره قبل ثلاث سنوات ومياؤه نظيفة وتصلح للشرب، ولكن الماء لا يصمد طويلا إذ تم حفره في منطقة شديدة الامتصاص وكمية المياه الموجودة لن يتجاوز استخدامها الـ(20) يوما واقلها أسبوعا واحدا، لذلك يعتمد إنسان المنطقة على الحفير القديم الذي تم حفره بوسائل تقليدية. أكثر ما ازعجني تجمع قطيع الأبقار والحمير على أطراف الحفير وشربهم للماء الذي تملأ منه جركانات مياه الشرب، لا يفوتني أن أشير لوجود (دونكي) بئر ارتوازية ولكنها لا تصلح للشرب لارتفاع درجة الملوحة، وقال لي محمد عبد الله نحن نعاني اشد الألم ولكن زيارة واحدة من مسؤول تكفي لتفقد الرعية وأحوالهم فالعطش يحاصرنا من كل جانب وهذا الحفير الذي يشرب فيه الإنسان والحيوان يسقي 6 قرى وهي: كنوز، المحافظة (العقارب)، أم تمساح، جبير، حلة الرضي، والزريقة. ومياه الحفير أصبحت لا تصلح للشرب فكيف نواجه فصل الصيف إذا تحمل الإنسان العطش فهل للماشية أن تصمد أم نستعد لموسم نفوق الحيوانات؟ .
دور العبادة
دار في ذهني عدد من الاسئلة حول كيف سيعيش السكان في منطقة تفتقر لخدمة المياه والتعليم سبقني في الرد شيخ الزريقة وإمام المسجد قائلا: حتى دور العبادة لا تليق بأداء العبادات فالمسجد تم بناؤه بالعون الذاتي واليوم قد تصدع وحتى نار التقابة انطفأت ولا نجد دعما من المحلية أو حكومة الولاية واعتقد بأن المسؤولين لا يعرفون شيئا عن وضع القرى وحال السكان، فإذا كان في ولاية النيل الأزرق أو الخرطوم توجد مئات المساجد وهي خالية من المصلين، أما في القرى يصلي المواطنون في هجير الشمس وزمهرير الشتاء وتحت الأمطار، فأين العدالة الاجتماعية وتساءل دور وزارة الرعاية الاجتماعية، وقال ونحن في أول فصل الشتاء والأطفال في القرية بحاجة لمعينات في مختلف الخدمات مطالب كثيرة ومتعددة لا تتسع صفحات لنشرها ولكن اذا تكرم مسؤول بزيارة واحدة تكفي لمعالجة المشاكل وتخفيف الآلام.
حبايبنا
بدأت الشمس في المغيب وأنا مازلت بقرية زريقة سمعت صراخ الأطفال فاسرعت لمصدر الصوت وجدت عددا كبيرا من النساء مجتمعين بأطفالهم في ديوان الشيخ فسألتهم ماذا يحدث؟ فقالوا: (ديل حبايبنا الوحيدين الذين يسألون عنا ويعالجون أطفالنا (اليونيسيف) وماذا تعني بالوحيدين؟!
فقال شيخ الحلة: في الزريقة لا يوجد مركز صحي وهي تخدم 6 قرى ويوجد بها (2) ألف نسمة فإذا كان شخص مريضا نطلب العربة (البوكس) ونذهب به لمستشفى كوستي إذا كانت العربة قريبة أو يتم معالجته في بالمنزل والحمد لله، الأعمار بيد الله، وأضاف توجد غرفة بملحقاتها تصلح كمركز صحي ولكن المحلية لا تشعر بما نعاني خاصة في فصل الخريف ينقطع الطريق فلا يمكن الحركة وحتى النساء يعانين في الوضوع ونطالب بقابلة، وكذلك نعاني من حشرات الأرض ويتعرض الأطفال للمخاطر، ولكن من يسمع ليستجيب وينقذ حياة الآلاف؟
جبنة الزريقة
ولطبيعة منطقة الزريقة الرعوية يعمل سكانها في رعي الأبقار، ويوجد فائض في إنتاج الألبان يتم تصنيعه جبنة ولكن ظروف المنطقة وطبيعتها لا تساعد في إنتاج كميات كبيرة من الجبنة، ويقول الزين حماد اعمل في صناعة الجبنة البلدية ولكن إذا ما تم تحسين وتطوير الإنتاج فمن المؤكد أن ينعكس إيجابيا على المنطقة وسكانها متسائلا عن المشاريع الإنتاجية التنموية، فكل المقومات موجودة من المادة الخام والتسويق ولكن نفتقر للإمكانيات التي تطور الإنسان والمنطقة، قاطعه محمد عبد الله قائلا توجد مساحات زراعية مقدرة يتم زراعتها في فصل الخريف كزراعة تقليدية من الفول والسمسم والذرة فإذا تم توفير المياه ستكون القرية الأولى في الإنتاج الزراعي بشقيه ولكن من يسمع ليجيب.
الرحيل المُر
كانت الكلمات تخرج من أفواه المواطنين مثل السهم والكل لديه جرح ويبحث عن طبيب لتضميده فالقرية لا يوجد بها مركز صحي ولا سوق ولا مخبز للخبز (الرغيف) والمياه في طريقها للجفاف أما الشارع الرئيسي رمال يمحى أثره بفعل زحف الرمال وتارة تحفر السيارات بإطاراتها الطريق عندما (توحل) هذه طبيعة الحالة للوصول لقرية الزريقة التي بدأ أبناؤها في الهجرة لمركز ولاية النيل الأبيض والخرطوم بحثا عن الخدمات التي يفتقدها بالقرية، ولكن من يحزم حقيبته يلتفت للوراء ويرجع أم يدير ظهره ويودعها للأبد، كان هذا لسان حال الشباب بالقرية بعضهم همَّ بالرحيل دون العودة وآخرون يسيرون في ذات الدرب فإلى متى نختار الرحيل المُر؟.
أين الميزانية؟
إذا كان كل معتمد يخصص له ميزانية محددة يوزعها على القرى في المحلية فهل الزريقة غير موجودة في الخارطة أم ليس لها أحقية في الدعم الموجود في كل ميزانية أم يتم صرف مستحقاتها وتذهب في مكان آخر؟، تقاطعت الأسئلة لهول ما شاهدت فاخترت أن أودع سكان القرية بعد مغيب الشمس واتوجه لكوستي واترك لمن هو مسؤول عن قرية زريقة الرد على تساؤلات المواطنين وتضميد الجراح.


   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية